إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
962
زهر الآداب وثمر الألباب
نزلنا على أن المقام ثلاثة فطابت لنا حتى أقمنا بها شهرا فبينا أنا يوما في بعض أسواقها إذ طلع رجل بركوة قد اعتضدها « 1 » ، وعصا قد اعتمدها ، ودنيّة قد تقلَّسها ، وفوطة قد تطيلسها ؛ فرفع عقيرته وقال : اللهم يا مبدئ الأشياء ومعيدها ، ومحيى العظام ومبيدها ، وخالق المصباح ومديره ، وفالق الإصباح ومنيره ، وموصل الآلاء سابغة إلينا ، وممسك السماء أن تقع علينا ، وبارئ النّسم أزواجا ، وجاعل الشمس سراجا ، والسماء سقفا ، والأرض فراشا ، وجاعل الليل سكنا والنهار معاشا ، ومنشىء السحاب ثقالا ، ومرسل الصواعق نكالا ، وعالم ما فوق النجوم ، وما تحت التخوم . أسألك الصلاة على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين ، وأن تعيننى على الغربة أثنى حبلها ، وعلى العسرة أعدو ظلَّها ، وأن تسهّل لي على يدي من فطرته الفطرة ، وأطلعته الطَّهرة ، وسعد بالدّين المتين ، ولم يعم عن الحق المبين ، راحلة تطوى هذا الطريق ، وزادا يسعني والرفيق . قال عيسى بن هشام : فناجيت نفسي بأن هذا الرجل أفصح من إسكندرّينا أبى الفتح ، والتفتّ لفتة ، فإذا هو أبو الفتح . فقلت : يا أبا الفتح ، بلغ هذه الأرض كيدك ، وانتهى إلى هذا الشّعب صيدك ؟ ! فأنشأ يقول : أنا جوّالة البلا د وجوّابة الأفق أنا خذروفة الزما ن وعمّارة الطَّرق لا تلمني لك الرشا د على كديتى وذق وقال الطرماح بن حكيم : وما أنس م الأشياء لا أنس بيعة من الدهر إذ أهل الصفاء جميع
--> « 1 » ركوة : وعاء يجمع فيه ما بحصله ، واعتضدها : جعلها في عضده ( م )